
البن: رحلة حبة من المرتفعات الجبلية إلى فنجان القهوة

البن: رحلة حبة من المرتفعات الجبلية إلى فنجان القهوة

البن هو أحد أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم، ويقف خلف فنجان القهوة الذي نبدأ به يومنا قصة تمتد لقرون من الزراعة والتجارة والتحولات الثقافية. من جبال اليمن وإثيوبيا إلى المقاهي الأوروبية الأولى، ومن حبوب خضراء بلا رائحة إلى مشروب عطري معقد، يظل البن رمزاً للتواصل والضيافة عبر الحضارات.
ما هو البن؟
البن هو بذور شجرة دائمة الخضرة تنتمي إلى الفصيلة الفوية، وتُعرف ثمارها بأنها تشبه التوت البري في مظهرها. بعد قطف الثمار، تُزال القشرة واللب، ويتبقى ما يُعرف بحبوب البن. وقبل التحميص، تكون هذه الحبوب خضراء ذات رائحة عشبية، بعيدة كل البعد عن الرائحة الغنية التي نربطها بالقهوة . تنمو شجرة البن في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، وتحتاج إلى ظروف مناخية دقيقة من حيث الحرارة والرطوبة والارتفاع عن سطح البحر.
أنواع البن الرئيسية
هناك نوعان رئيسيان من البن يهيمنان على الإنتاج العالمي: أرابيكا وروبوستا. يشكل البن العربي (أرابيكا) حوالي 60-70% من الإنتاج العالمي، ويتميز بنكهة عطرية خفيفة وحموضة معتدلة، مع نسبة كافيين تبلغ حوالي 1.5% . يُزرع في المرتفعات الجبلية، مما يجعله أكثر صعوبة في الزراعة وبالتالي أعلى سعراً. أما بن روبوستا، فيمثل حوالي 30% من الإنتاج، ويتميز بمستوى أعلى من الكافيين (2.7%) وطعم أكثر مرارة وصلابة، مما يجعله مناسباً لصنع الإسبريسو والقهوة سريعة التحضير .
إلى جانب هذين النوعين، توجد أنواع أقل شيوعاً مثل بن ليبيريكا وبن إكسليسا، لكنها تُزرع بكميات محدودة .
الموطن الأصلي والانتشار التاريخي
يختلف المؤرخون حول الموطن الأصلي لشجرة البن. يرى معظمهم أن الحبشة (إثيوبيا) هي الموطن الأصلي، حيث تنمو شجيرات البن من تلقاء نفسها، ومنها نُقلت إلى اليمن في بداية العصر الحديث . غير أن اليمن لعب دوراً محورياً في نشر القهوة تجارياً؛ إذ يُقال إن مقتياً من عدن لاحظ أن شرب البن يطرد النعاس ويساعد على إقامة الصلوات ليلاً، فانتشر استعماله بين الدراويش، ثم انتقلت عادة شربه إلى مكة حوالي عام 1500م، ومنها إلى المدينة والمدن العربية الأخرى، ثم إلى القاهرة والقسطنطينية .
وصل البن إلى أوروبا عبر طرق متعددة. تشير إحدى الروايات إلى أن أول تعرف أوروبي على البن كان عن طريق رجلين من رجال الدين المسيحيين زارا اليمن في إرسالية دينية عام 1589م . كما لعبت البندقية دوراً في التعريف بالقهوة بحكم تجارتها مع مصر وتركيا. وما إن عرف الأوروبيون القهوة حتى أقبلوا عليها بكثرة، فافتُتح أول مقهى في لندن عام 1652م، وبحلول عام 1700م كان بها ثلاثة آلاف مقهى .
عملية الإنتاج: من الحبة إلى الفنجان
تمر حبوب البن بعدة مراحل قبل أن تصبح القهوة التي نشربها. تبدأ العملية بالقطف، ثم إزالة القشرة واللب للحصول على البذور الخضراء. بعد ذلك تأتي مرحلة التحميص، وهي العملية الأهم في تكوين نكهة القهوة. خلال التحميص، تتطور الحبوب بين 800 إلى 1000 مركب عطري مختلف، مما يمنحها طابع القهوة المعروف .
تتضمن عملية التحميص أربع مراحل: التجفيف، ثم التفاعلات الكيميائية التي تبدأ عند حوالي 160 درجة مئوية، ثم “الفرقعة الأولى” حيث تتمدد الحبوب وتتحرر الزيوت العطرية، وأخيراً “الفرقعة الثانية” للتحميصات الداكنة . تختلف درجات التحميص من الفاتح الذي يحافظ على حموضة عالية ونكهات فاكهية، إلى الداكن الذي يتميز بمرارة وقوام أثقل .
البن والصحة: بين الفوائد والاعتدال
على مدى عقود، أثيرت تساؤلات حول تأثير القهوة على الصحة. إلا أن الأدلة العلمية الحديثة تشير إلى أن الاستهلاك المعتدل للقهوة يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي صحي. تشير الدراسات إلى ارتباط شرب القهوة بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري ومرض باركنسون وبعض أنواع السرطان . كما تحتوي القهوة على أكثر من 1000 مركب نشط بيولوجياً، تشمل مضادات الالتهابات ومضادات الأكسدة التي تساعد في إبطاء تلف الخلايا .
وفقاً للإرشادات الغذائية الأمريكية، يمكن أن يكون استهلاك ثلاث إلى خمس فناجين (حتى 400 ملليغرام من الكافيين) يومياً جزءاً من نظام غذائي صحي . ومع ذلك، يُنصح الحوامل بتوخي الحذر وتقليل الكافيين إلى أقل من 300 ملليغرام يومياً .
تحديات المستقبل
يواجه إنتاج البن تحديات متزايدة، أبرزها التغيرات المناخية التي تهدد زراعته وجودته. وتمثل التقانات الحيوية أداة استراتيجية لمواجهة هذه التحديات من خلال تطوير محاصيل أكثر قدرة على التكيف مع الظروف البيئية القاسية مثل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة . كما يلجأ الباحثون إلى تقنيات مثل الإكثار النسيجي والحفظ بالتبريد لضمان التنوع الجيني للبن العربي للأجيال القادمة .
في الختام، يظل البن أكثر من مجرد محصول تجاري؛ إنه جسر ثقافي بين الشعوب، وقصة إنسانية بدأت في المرتفعات الجبلية قبل قرون، وما زالت تُروى في كل فنجان قهوة نستمتع به اليوم.



